الفضائيات الدينية منهج التقييم في رمضان

 

وسام كمال

23/7/2013

أقسم المولى عز وجل بالنفس اللوامة في قوله تعالى "لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللومة"،  22-7-2013.jpg  فهل يكون شهر رمضان الكريم فرصة كي تراجع القنوات الفضائية سياساتها وخطابها الإعلامي في ضوء المتغيرات العربية والإقليمية والدولية، خاصةً وأن وذروة العمل بالفضائيات أيام شهر رمضان، وذروة المراجعة والاستغفار والتصحيح لياليه..

تطور عددي يحتاج إلى مراجعة المضمون

وبالرجوع إلى تأصيل ظهور الفضائيات الدينية، فنلاحظ تطورها عدديًّا في السنوات الأخيرة، ووفقًا للتقارير السنوية حول وضع البث الفضائي في المنطقة العربية وخارجها، والذي نشرته مجلة الإذاعات العربية العام الماضي، فإن عدد القنوات الدينية عام 2009 هو 43 قناة، ووصل إلى 104 قناة في عام 2012. ومن الجدير بالأهمية الإشارة إلى أن منهم فقط ثمان قنوات حكومية والبقية قنوات خاصة.

وتنقسم القنوات الدينية من حيث المضمون إلى عدة تصنيفات وفقًا للدكتورة ثريا السنوسي في بحث لها حول ملامح الفضاء الاتصالي الديني العربي، تصنف القنوات إلى: قنوات متخصصة في بث القرآن الكريم، وقنوات متخصصة في الحديث والعلوم الدينية، وقنوات طبية ذات نزعة دينية، وقنوات إنشاد وأغاني ذات نزعة دينية، وقنوات الاستشارات والفتاوى الدينية، وقنوات أطفال ذات توجه ديني، وقنوات مزدوجة (إعلانية/ دينية) وهي تجمع بين صور تجارية ترويجية وصوت لتلاوات قرآنية وخطب دينية تتنافى تماما مع مضمونها التجاري، ورغم ضعف المضمون وتناقضاته أحيانا إلا أنه يعبر عن اتجاه للتخصص.

ويبرز د. فتحي بوعجيلة في ورقة بحثية حول البرامج الدينية في التليفزيونات والإذاعات العربية؛ سلبيات الخطاب الديني في بعض الفضائيات ، وهي: الفتاوى غير المنضبطة، التعصب المذهبي، الدجل والشعوذة باسم الطب النبوي والرقية الشرعية، وأودُّ أن أضيف إليها مؤخرًا أزمة استغلال الخطاب الديني في التحزب السياسي.

وضرب د. بوعجيلة مثالاً حسنًا بقناة اقرأ الفضائية، باعتبارها رائدة في الإعلام الديني منذ عام 1998، ولها تجربة ثرية تمتاز بالارتكاز على وسطية الإسلام كخطاب جامع لا مفرق، وتبني قضايا المسلمين والتفاعل مع همومهم ونقل واقعهم، المصداقية وتنوع خططها البرامجية. 

تراجع دعوي

كانت القنوات الدينية تمثل لدى المشاهد نفحة إيمانية وزادًا دعويًّا في مقابل تجافي الإعلام التقليدي عن تقديم هذه الوجبات الروحية إلا قليلا.

والسؤال هنا: هل الفضائيات الدينية ساحة مناسبة للسجال الديني أم أنها يُفترض أن تتبنى خطابًا عموميًا جامعًا، يتغلغل في حياة الناس بلا تحزب، خطاب يجمع لا يفرق، خطاب يتبنى قيم رسخها القرآن الكريم "ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك".. فلماذا لا يقوم العاملون في هذه القنوات بترتيب الأفكار ومراجعة السياسات، ووضع الضوابط المهنية والشرعية في دليل تنظيميstyle book  مُلزم بدلاً من أن يُوضع لهم! خاصةً وأن الإعلام الديني له سياسات خاصة وشروط علمية وشرعية تقتضي استقلاله عن الإعلام العام.

وأوصي بعددٍ من التفاصيل المهمة، مثل وضع ضوابط لتلقي الرسائل النصية على شاشات الإعلام الديني، وضوابط لإصدار الفتاوى الدينية التي تحتاج لإطار علمي خاصة في البرامج المباشرة، وتفعيل منهج "من قال لا أعلم فقد أفتى". كما أنني لا أستسيغ بالمرة القنوات الإعلانية التي تستغل تلاوات القرآن الكريم كخلفية لصور إعلانية لمنتجات لا صلة لها بالمرة، حتى أن إعلانات للمنشطات الجنسية تباع عبر البث الفضائي وفي خلفيتها تلاوات قرآنية!!!! وهو ما يحتاج لوقفة تنظيمية من داخل الإعلام الديني الذي لا يستنكف بعضه للأسف من نشر رسائل نصية غير مناسبة بهدف الربح التجاري!!

ولازالت تشكل البرامج الدينية على القنوات العامة إشكاليات كبيرة، متعلقة برضا الدعاة عن سياسة القناة، فضلا عن تغلغل الإعلانات الاستهلاكية لفواصل هذه البرامج بطريقة تبدو فجة خاصة مع عدم مراعاة طبيعة الإعلانات وشكلها ومضمونها، فعادة ما يكون اختيار الإعلانات وفقا لنسبة المشاهدة ورغبات المعلن دون مراعاة لتوافق تلك الإعلانات شكلا ومضمونا مع المحتوى الديني.

محاور التقييم في رمضان

ومن هنا، تأتي ضرورة التخطيط الجيد لموسم رمضان والخريطة البرامجية للفضائيات الدينية قبل قدوم شهر رمضان بشهور كافية للإنتاج والتسويق واجتلاب الإعلانات والرعاة، وبعد وداع الشهر الكريم أقترح أن توضع خطة تقويمية من داخل وخارج القناة للمحتوى المذاع عبر الشهر بأكمله، وفي العادة تكون هناك محددات داخلية للتقييم أكثر تفصيلا وتشتمل على الجوانب الفنية والمالية والإبداعية معا، ويمكن أن أوصي بعدد من التساؤلات العامة مرتبطة بسياق عام كي تطرحها القناة داخليّا وخارجيًّا، عبر عدد محدود من الخبراء والأكاديميين في الإعلام، ومن تلك التساؤلات لتقييم جهد القناة:

-              ما هو المحور الرئيس الذي تدور حوله شاشة القناة في رمضان.. فهل هناك قضية أو محور ما يربط بين خطوط الإنتاج الإعلامي أم أن هناك تنوع يفضي إلى التفتيت؟

-              ما الجديد الذي تقدمه القناة هذا العام عن بقية الأعوام؟

-              ما الجديد وأوجه التميز للقناة عن نظيراتها في هذا العام؟

-              ما قدر الجاذبية في الصورة المرئية على الشاشة في كل برنامج فضلا عن الفواصل والمقاطع الإعلانية؟

-               إلى أي مدى وُفقت القناة في اختيار مواعيد عرض برامجها وفقا لأهميتها ولأوقات الذروة ولاهتمامات الجمهور؟

-              ما قدر التفاعلية مع الجمهور عبر الوسائط المختلفة؟

-              ما إستراتيجية القناة في توزيع المحتوى وتسويقه على الشبكات الاجتماعية؟

-              ما مدى جودة الإعداد العلمي في البرامج الدينية؟ وجودة الإعداد الإعلامي في البرامج المنوعة والشبابية؟

-              من أبرز الدعاة ومقدمي البرامج خلال رمضان ومن أقلهم توفيقا؟

-              ما صدى البرامج الإعلامية والدعوية خلال رمضان لدى الجمهور (القياس متعدد الوسائل)؟

-              كيف استطاعت القناة أن تقدم خطابا دعويا وسطيا، فضلا عن التساؤل حول مدى اشتباكها في الواقع الإنساني والاجتماعي والسياسي للمسلمين والعرب؟    

-              هل تمكنت الفضائية من التصدي للتطرف والغلو أم كانت وسيطًا ومنبرًا لهما؟

-              كيف كان حضور المرأة على الفضائيات الدينية، هل هي مشاركة حقيقية فاعلة ونوعية أم كانت مشاركة نمطية شكلية سطحية؟

سياسات إبداعية

وليت الإعلام الديني لا يستسهل البث المباشر دون إبداع وتخطيط، فعلى سبيل المثال نحتاج إلى بث نوعي لصلوات التراويح والتهجد، وعدم الاقتصار على ساحتي مكة والمدينة المباركتين، كما نحتاج من القنوات الدينية أن تتبنى منهجًا تفاعليًّا وتسويقيًا عبر الوصول إلى الجمهور في شبكات التواصل الاجتماعي وتيسير نسخ تصفح عبر الهواتف والوسائط المحمولة، فالجمهور الآن بحاجة إلى أن يصل إليه الإعلام، لا أن يبحث عنه، وبحاجة إلى إعلام متنقل عابر للوسائط. ولا يفوتني أبدًا أن أنوه إلى أن صُلب نجاح أي وسيلة إعلامية بدقة تحديد الجمهور وسماته وسبل الوصول إليه.

 

__________

** باحثة ومحاضرة في الإعلام wesamkamal@hotmail.com .