رمضان نهضة شاملة


علاء الدين حسن
11/7/2013


ما خلق الله- سبحانه وتعالى- شيئًا في هذا الكون عبثًا، ولا فرض الله- سبحانه- على العباد فريضة سُدى، وما حرم الله- جل وعلا- شيئًا إلا لحكمة بالغة، ولا أمر بفعل شيء إلا لمصلحة شاملة، ذلك أن شريعة الله- عز وجل- لها من المقاصد ما يصلح حياة الإنسان في دنياه، ويضمن له الهناء في معاده. 12-7-2013.jpg
فالصلاة في طياتها من الحكم ما يتم به ربط الإنسان المؤمن بربه، وما يؤدي إلى إصلاح الذات، يتم ذلك عن طريق مراقبة الله بذكره في كل الأوقات.
وشأن الصيام كشأن الصلاة، فقد فرض الله الصيام على عباده المؤمنين، وكان المقصد الأساس هو تقوى الله عز وجل.
فإذا صمت مخلصًا، وإذا ما علمك الصيام التقوى في أعمالك وأقوالك، فاعلم أن ثواب الصيام سيكون كبيرًا، وهاهو رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  يقول: «ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا» (رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري- ك الصيام- حديث رقم 2767).
فشهر رمضان شهر التقوى، شهر أنزل الله فيه القرآن، فيه تتلى وترتل آيات القرآن، فيه تفسر وتفهم معاني القرآن، فيه تتلألأ المجالس على مائدة القرآن.
ومن مقاصد هذا الشهر الكريم أنه يحيي وقدة الإيمان في قلب المؤمن، ويبعثها حية من جديد، مهما خبت تحت رماد الغفلة والتفريط.
ومن مقاصد الصيام أيضًا الانضباط في السلوك، مما يجعل الإنسان خلال يومه وليلته خاضعًا لضوابط الشرع الحكيم، فلا يتصرف في ضروريات جسده إلا بنظام.
إن الصيام على الدوام عبادة
وسقاية في الخلد من ريّان
خير الليالي منحة من فيضه
والـ«بدر» نصر في مدى الأزمان
فيه ملائكة السماء تنزلت
فتحقق العلياء للشجعان
تحرر فانطلاق
وشهر رمضان- من الناحية النفسية- يتميز بزلزلة السكون الملتصق بالطين، على أمل إطلاق الروح لتمضي في طريقها إلى العالم العلوي، لتقف في حضرة الإله وتعود بقبس من نوره تستعين به على ظلمات الأرض، وتستشعر في ذلك اطمئنانًا لم تتذوقه الحواس من قبل.
وهاهنا يواصل القلب الرحلة في سموات اليقين والوجدانات والوجد، ثم يسلم القياد للروح التي تنطلق سابحة في نور تحده حدود، متجاورة آفاق اللغات، لتتلقى الحكمة الإلهية والنور الرباني بلا وسائط، هذه الإشراقة وحدها تحرك الجوارح لتقوم الليل وتهجر النوم، وتستيقظ في فجر وسيم مترع بعبق الإيمان الذي يسبق نور الصباح.
رمضان كون نوراني يدور في سماء الصائم مولدا فيه أضوأ الخواطر، وأنزه الأفكار.
ورمضان يرتقي بالنفوس البشرية إلى مصاف الملائكة المقربين.
وفي رمضان تعمر المساجد، فيغدو الصائمون إليها جماعات، حيث أمْنُهم من الزلل، ورجاؤهم في الله، وهم كذلك يروحون منها وقد وقر في نفوسهم حب الخيرات: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئَكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ} (التوبة: 18).
والمؤمن في رمضان جواد كريم، وقدوته رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" ، فقد كان  " صلى الله عليه وسلم"  أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، وفي الجود فك الكربات، وسد الحاجات، وعون على النائبات، واستجابة إلى ما يحيي النفوس ويجدد إيمانها.
ورسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  يخطط لهذا الخلق تخطيطًا سليمًا يقوم عليه نظام الجماعة، وكفالة الأفراد، ورسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  يفعل بالقدوة الحسنة ما يحمل أصحاب الأموال على الجود والسخاء، ليبني الإنسانية على عُمُدٍ من الرحمة والائتلاف والإحسان، ولينهض بها من كبوات الشح والبخل والحرص، إلى ذروة الجود والكرم والمعروف، وما الله بخاذل رسوله، لأنه كان يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويعين علي نوائب الدهر.
وفي رمضان.. القلوب على الحب مقبلة، والصدور للخير منشرحة، والركب نحو الخير سائر، والجماعة في اتجاه التقوى منطلقة، والمشمرون الجادون متوفرون، تمتلئ بهم المساجد والجوامع، وتتلقاهم مواطن الطاعات، فطوبى لمن أوى إلى ربه، وصدق في الرغبة إليه.
مقاصد أخر
ومن مقاصد الصيام أيضا أنه يقوي الإرادة والعزيمة، وقد أدرك السابقون الأولون مقاصد وأهداف الصيام والقيام.
لقد صامت قلوبهم فامتلأت بنور الله، وتسامت وتعلقت بما عند الله.. فهل صامت قلوبنا؟
وصامت آذانهم عما يغضب الله، فما سمعوا كلامًا منكرًا ولا لغوًا ولا رفثًا ولا فجورًا.. فهل صامت آذاننا؟
وصامت أعينهم عما لا يرضي الله، فغضت عن محارم الله، وكثيرًا ما بكت من خشية الله.. فهل صامت أبصارنا؟
وصامت ألسنتهم فاشتغلت بتلاوة القرآن، وتركت الكذب والزور والفحش والبهتان.. فهل صامت ألسنتنا؟
وصامت أيديهم عما حرم الله فما غشت ولا دلست، ما نقصت ولا طففت، وما سرقت ولا زورت.. فهل صامت أيدينا؟
وصامت أنفسهم فأقبلت على الصيام والقيام، عرفوا مكانة مجالس العلم فحفتهم الملائكة، وعرفوا قيمة الجود والسخاء في شهر القرآن، فأكثروا من العطاء والبذل والإحسان.. فهل صامت أنفسنا؟
لقد وعوا حقيقة الصيام، فكان شهر رمضان عندهم غنيمة يتسابقون لنيل أكبر قدر من الثواب والأجر العظيم، قال رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه مسلم عن أبي هريرة  "رضي الله عنه"  - حديث رقم 1153).
وفي الحديث القدسي الجليل: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به» (رواه البخاري في الصوم عن أبي هريرة- ح رقم 1904). والصوم لا يؤتي ثماره إلا بترك ما قد حرم الله.
قال  " صلى الله عليه وسلم" : «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري في الصوم عن أبي هريرة برقم 1903).
وقال  " صلى الله عليه وسلم" : «ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث...) (جزء من حديث رواه البيهقي والحاكم بسند صحيح).
وقال: «رب صائم ليس من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس من قيامه إلا السهر» (رواه ابن ماجه في الصيام عن أبي هريرة برقم 1760).
وشهر رمضان حافل بالأحداث الكبيرة، ففيه نصر الله المؤمنين على المشركين في معركة فاصلة حاسمة بين الحق والباطل {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (آل عمران: 123).
وفي رمضان من السنة الثامنة لهجرة الرسول الكريم، فُتحت مكة المكرمة، وفي شهر رمضان ليلة القدر المباركة التي هي خير من ألف شهر.. ولله در القائل:
إنه الصَّومُ الَّذي أوصَى بِه
رحمةً بالنَّاسِ ربُّ الحكمَاءْ