فَمَنْ خَدَعَنَا بِاللهِ انْخَدَعْنَا لَهُ

 بقلم :  عبدالرحمن المطوع

25/9/2012

في رحاب الحرم كنت في صحبة طيبة امتلأت فيها أنفسنا بنسمات الرحمة التي تشعر بها ما إن تلامس أقدامك البقاع الطاهرة.. طمأنينة وسكون وهدوء وسعة صدر لا تجدها في أي مكان في العالم. .jpg

وبينما أنا على هذه الحالة استوقفني صوت شاب لم تغب عن ملامحه أنه مازال في سنوات الفتوة، يمد يده ويسبقها بكلمات متلعثمة عن تعرضه لظروف قاسية نسجها في قصة تتلخص في حاجاته وظروفه الصعبة وحياته الضنك وظروف عيشه، وبينما أنا أضع في يده ما سأعطيه له جاءني خاطر: إن الرجل ربما لا يستحق وليس هناك دليل على أنه صادق، وربما هو يكذب خاصة أن مشكلته حلها أبسط مما يفعل، بل فكرت لماذا لا يذهب للعمل فهو صغير بصحة جيدة، لكنني ما لبثت أن أعطيته.

هممت أذهب إلى الفندق لقضاء بعض الأمور، وكان في صحبتي صديق لي، خرجنا سويًّا وإذ بصوت يستوقفني ضعفه وانكساره فنظرت فإذا برجل أخر لم يختلف عن السابق سوى في سنه الذي يكبر عنه وعلامات الانكسار والحاجة مشتركة بينهما، وقال لي بصوت يملأه بكاء مصطنع: «أحتاج للمساعدة لقد فقدت كل أموالي وأحتاج أن أشتري تذكرة سفر كي أعود إلى وطني»، فهممت أن أعطيه ما يمكن أن أساعده به وفجأة بادرني صديقي بالقول: «كيف تتأكد أنه صادق وأنه فعلا يحتاج، وهل هذه طريقة مناسبة ليطلب المساعدة؟ لماذا لا يذهب إلى جمعية خيرية  حول الحرم، أو يذهب إلى سفارة بلده، أو يطلب من المجموعة التي جاء معها... وغيرها من الاقتراحات التي أملاها علي صديقي لينهيها بكلام حازم أنه متأكد من أن هذه التذكرة يطلب الرجل شراءها منذ شهور، وربما أعوام، فقد أصبحت مهنته، فقلت للرجل بعضا مما قاله صاحبي وأخذت أسأله ووجدتني أتركه دون أن أساعده متأثرا بما قاله صديقي.

وبعد أن تركنا الرجل بدأت أحدث صديقي بما يجول في عقلي قائلا له ربما هو محتاج فعلا، كما أننا نفعل الخير ولا نبحث في النوايا، وأخذت أتحدث معه عن أننا لا نستطيع أن نتأكد من عدم حاجته خاصة أن الزمان والمكان لن يتيحا لنا ذلك، وقلت له ربما هو صادق ويحتاج فعلا، وفي النهاية سنأخذ الأجر على نيتنا، والله كفيل بأن يجازيه إن كان كاذبًا، واستمر صديقي في الحديث عن مشاهد كثيرة يعرفها فيها امتهان التسول دون حاجة وأخذ يسرد علي من القصص التي حدثت له وحدثت مع أصدقائه وتلك المنشورة في الصحف أو بعض البرامج بالتلفزيون وغيرها.. وكيف أنه يمكن أن يأخذ المال ليقوم بشراء الدخان أو غيره.. بعد عودتي إلي الفندق لم يغب الأمر عن خاطري فأخذت أفكر في كلام صديقي الذي وجد في نفسي متسعًا، ولكني تذكرت كلمات أبي وجدتي (حفظهما الله) عن ضرورة مساعدة من طلب المساعدة وعدم النظر فيما وراء المقاصد، فالنوايا لا يعلمها إلا الله، وكم من سائل لا تظهر عليه علامات الحاجة ولكنه في أمس الحاجة لها، وتذكرت قول الله (لا يسألون الناس إلحافًا).

وأدخلتني القصة الشهيرة لسيدنا عبدالله بن عمر في صراع حاد بيني وبين نفسي.. والتي تحكي عن أن ابْنَ عُمَرَ كان إِذَا اشْتَدَّ عَجَبُهُ مِن مَالِهِ قَرَّبَهُ لِرَبِّهِ، قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ رَقِيقُهُ قَدْ عَرَفُوا ذَلِكَ مِنْهُ فَرُبَّمَا شَمَّرَ أَحَدُهُمْ ليَلْزَمَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَآهُ ابْنُ عُمَرَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الْحَسَنَةِ أَعْتَقَهُ، فَيَقُولُ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا أَبَا عَبْدِالرَّحْمَنِ وَاللهِ مَا هُمْ إِلا أَنْ يَخْدَعُوكَ، فَيَقُولُ ابْنُ عُمَرَ: فَمَنْ خَدَعَنَا بِاللَّهِ انْخَدَعْنَا لَهُ.

حقيقة الموقف ليس موقفًا شخصيًّا فما عرفته أن الكثيرين تعرضوا له، ومن الواضح أن الأمر لن ينتهي، فالأمر محير وربما بسبب هذه المواقف نظلم البعض، سواء بإعطائهم ما لا يستحقون أو بمنعهم ما يستوجب لهم.

شاركونا الأمر، فبالتأكيد تعرضتم لمثل هذا الحادث، لكن ما هي دلالاته بالنسبة لك؟ وكيف واجهته وتعاملت معه؟

للتواصل @boafnan